وصف الكتاب:
حرصاً على التواصل المعرفي، وبعد ان اخذت الاذن من استاذنا الحبيب ا.د. عقيل مهدي يوسف ، حول نشر مقدمته المهمة لكتابنا الوارد عنوانه اعلاه ، يسرنا اليوم ان نتيح لجميع الاعزاء فرصة الاطلاع والافادة العلمية من أول العتبات الواردة في هذا الكتاب ، لكي تتكشف لكم طبيعة هذا المنجز ومساراته ، على امل ان احيطكم بالايام القادمة بالنصوص النقدية الموازية التي شاركت في مفتتح هذا الكتاب ، وفي بالنا ان نقدمها لكم بصيغة حلقات متسلسلة لحين خروج الكتاب من المطبعة واتاحته للقراء... تقبلوا احترامنا اخوكم د. حسن عبود النخيلة ادارة دار الفنون والآداب بقلم ـــ أ.د. عقيل مهدي يوسف ( استاذ الجماليات) يحاول المؤلف في هذا الكتاب الخوض في مفهوم فلسفي إشكالي، ليجمع فيه ما تفرّق ما بين المطلق والنسبي ، منتخباً " الظاهراتية " وعلى وجه الخصوص منطلقات (هيدجر) الانطولوجية ( علم الوجود) . ينتقي د. حسن عبود النخيلة ، مفهومات متعالية ، جوهرية ، ليقارب من خلالها ظواهر مسرحية متنوعه، لكنه يصطفي تجربة في طور النمو والتحولات الخاصة في بعدها المسرحي، ليباغت فيه ذلك القار المتداول، ببديل، يمتلك إمكانات مفتوحة على مستقبل مسرحي مغاير، ومختلف، يخصّ تجربة نوعية متميزة للفنان (ماهر الكتيباني) ، على مستوى النص الدرامي، و الإخراج، التي يراهن فيها على (أورجانون) جديد للمسرح المستقبلي. نجد المؤلف د. حسن يقارب الذوات من الفاعلين في هذه التجربة، وهم يتجاوزون التنميط الآيديولوجي، في خطاب مضاد، لكل تلك التراكمات التي وصلت إلى نهايات مغلقة، تقتضي مغادرتها في البحث عن تحفيزات نسقية، سواء على المستوى البراجماتي التطبيقي، أو التنظيري ، واقتراح أشكال معيارية تقترن بظاهرية المعنى الخاص باللغة المنطوقة، بتأويل مسرحي يخصّ الوظيفة الجمالية الرابطة ما بين الفنان وجمهوره. وكان انموذجه (هيدجر) ، الذي طور معطيات أستاذه (هوسرل) ، الظاهراتية ، ، حيث تقترن (الذات) العقلانية ببعدها الوجودي، مميزاً ما بين (الكائن) في نسبيته و (الكينونة) في بعدها المطلق، وهما يتبادلان الخطاب في بيت اللغة ، المتعالي ، على الكلام المتموضع، المحسوس. فالوجود يكشف عن نفسه ، وبالأخص الذات الابداعية ، حين نعبّرُ عن (ماهية العمل الفني) وهو عنوان كتابه ، الذي يحقق للأنا ، مثاليتها ، في التجربة الظاهراتية . نجد أن الكاتب والمخرج (الكتيباني) ، يتماثل مع اطروحة المؤلف (النخيلة) كأنهما يرمقان معاً ، أن في الخطاب المسرحي ، لحظات استنارة ، مستترة قادمة ، تومض من تحت رماد ما تكدس من عروض ونصوص ونقد ، حبيس شكل (آيديولوجي) جامد ، ومنفّر ! ، بما يتوفر عليه من وقائع وعادات فرجة سالفة متقهقرة ، تستدعي مجابهتها ، والتصدي لها ، ببدائل اداتية ، ومنهجية ، وابداعية جديدة ، ومن منظور ، يندمج فيه الفكر النظري ، ويتساوق مع تركيب لغة العرض ، في تجسيدات عينية متحولة ، سريعة الحركة . ثم يقارب المؤلف ، (هابرماس) الذي يقرن ارتباط النظرية ، بمعطيات المجتمع سواء كان محافظاً وبرجوازياً ، أو مفتحاً وثورياً ..فاشياً كان أو ماركسياً .. ليتحقق ما كان يبغيه من هدف واحد يشترك فيه عموم الشعب، بوظيفة اتصالية للغة ، كما كانت لدى (سيرل) بأفعال اللغة التداولية، أو حسب كفاءتها عند (جومسكي) . لذلك استنبط (هابرماس) عنوان كتابه تحت عنوان (المعرفة والمنفعة) ، أي ما بين اللغة ، والواقع ، وتعميق الصلة بينهما ، عاقداً عزمه على ضرورة تجاوز حاجز الآيديولوجية، بتأمل نقدي جذري صريح، في حالة ارتباط علاقة العقلي مع العملي، أي ما بين (التقني) التجريبي للعلوم الطبيعية ، والاتصال التاريخي، والمعرفي الحر في الإنسانيات، وجوانبها (القيمية). واللافت للنظر أن (ماركس) الآيديولوجي كان يرى أن (النظرية) البحتة، تتخلف عن عصرها في ضوء تقدم التاريخ، وكأنّه يرى بذلك (وعياً مستتراً) بين طيات التراكم المتسيّد في فترة تاريخية ما . حتى أن (هيجل) قد أكد على الطابع التاريخي للفلسفة في نظريته المثالية، حيث اعتبرها ( عصرها الخاص مفهوماً في الفكر) . أما (فجنشتين) فقد تمثل طموحه في جعل اللغة اليومية الحياتية واضحة في (فكرها) ، من غير (أقنعة) تخفي ملامحها ، وقسماتها، وصورها الحقة ، ونراه ـــ أيضاً ــ أيضا قد تعاطف مع (هيدجر) حول الوجود ، والقلق عند الإنسان ، حين تصدّه حدود اللغة . كذلك نجد (جادامير) يرى أن الماضي ممارس تأثيره على الحاضر، وكأنّه يُعيد بذلك فكرة (هيدجر) في بنائه الانطولوجي الشامل ، بتبعيّته في وجوده الشخصي ، لكل ما سبقه من صيغ تاريخية قارّة للوجود ، حيث يتكيّف الماضي مع الحاضر ، بتناسق مستمر . (هيدجر) يفرق بين الكشف والاحتجاب من خلال فعل التأمل ، عبر تناولهما ، في التطور التاريخي. هنا ، يضع المؤلف، اصبعه على أن الفن المسرحي لدى (ماهر الكتيباني) يُظْهِرُ نفسهُ بنفسهِ، شاخصاً (للمتلقي) بحضوره الآني ، من غير ستارة تخفيه عن جمهوره الذي يرقب بادراك حسّي ، ماهوي ، في البصر والسمع ، لظواهره الآنية في الفرجة ، بفكر حرٍ مواكب لتحولاتها المتسارعة. المؤلف (د. حسن ) يأخذنا منذ البدء ، عند (صمت) الفن (وكتابة) الفلسفية ، حين (يفكران) .. كلّ بطريقته الخاصة. وقد يصدمان (بأصنام) نيتشه ، التي ينبغي (موتها)! . ويدعو على لسان (ماهر الكتيباني) إلى تفريغ كائناته المسرحية من الآيديولوجية ، والسؤال : ألا يمارس الفنان ، دوراً آيديولوجيا ؟! وماذا عن افتقاد الهوية الاجتماعية للذات ؟ وعن لازمانيّة اللعب الحر ، وكيف يتبلور الفراغ ، بإنفصال الأزمنة والمواقف، كأننا نقارب أحياناً مفهوم (شكسبير) على لسان (هاملت) ، بأن الشخصية كيان صلد ، ليتها تتحول إلى قطرات نديّة! لكن (المؤلف) حسب متابعته للتجربة ، يرى بإمكانية وضع (مورفولوجيا جمالية) بديلاً عن تسيّد (مورفولوجيا الكلمة) . وبالتالي ، يتمّ تشخيص التجربة (عند الكتيباني) بأنّها تجعل الموضوع متصدراً ويقود (ذاتية) تتبعه . ثم يعود إلى مفهوم (اللعب) لدى (دولوز) ، حين يحسب التفكير أشبه برمي (قطعة نرد) . أما (هابرماس) المشغول باشكالية طرح الاسئلة ، التي تختفي في الغالب ، في الأنظمة التوتاليتارية السلطوية ، التي تملي أجوبتها وحلولها قسرياً على شعوبها . ثم ينعطف بنا إلى طبيعة احتكاك الفنان (الكتيباني) بما يخص (الكوميديا) عند (برجسون) وتشيّئ البشر ، أو كيف يطمس (الجروتسك) طباع الشخصية ، ويقذفها ، بفراغ مهول يتحوّطها ، لتصبح جزءً عابراً ، تحت طاقة الفراغ المتعالية . يتتبع ( د. حسن) مجسّات فلسفية ، ويقاربها من منظور الظاهراتية . ويحصر ملامـح التجربـــة عنـد الكتيبـاني بالآتـي : ( اللعـب ــ اللاتوقـــع ــ الحركــة الخاطفــة (القصيرة) . وهي تنطلق من مفردات التأليف ، والإخراج ، من بؤرة واحدة ، منسجمة جمالياً ، فالممثل يلعب بحرفية متقنة زمن الحركة ، ونبضها النفسي ، في صيرورة الصورة الطاغية على الصوت ، وانزياح ( الثيمات) وعدم تكاملها حيث تتشظى الفكرة ، كما في مسرح (ما بعد الحداثة). سبق (لاسبينوزا) التأكيد على ( أننا لا نرغب في الشيء لأنه جميل، بل نراه جميلاً لأننا نرغب فيه) . لذلك تختلف (معايير) التفضيل الجمالي عند المتلقي وقد يصل الأمر بواحدٍ مثل(فجنشتين) أن يصل الأمر به إلى الدهشة حيث يقول : ( لست أدري أي طريقٍ أسلك، فيما يدور حولي ؟!) ، لكنه سرعان ما يجد مبتغاه فيما اسماه (بألعاب اللغة) .. يرى ( د. حسن) أن الممثل لدى (مخرجنا) تجتاحه سلاسل من الأفكار و لكل فكرة منها ، تقتضي ارتهان جسد الممثل لها ، وبالتالي كأني أرى الممثل تهيكله الفكرة ، وكأنها مكعباً زجاجياً شفافاً ، تشكله هي ، حسب مقتضياتها لا حسب انفعالات الممثل ، ومعايشته ، وتقمصه المعهود ! . وهنا يبرز الفرق بين (الفنان) الذي (يقنع) جمهوره بخطاب جمالي ، وبين العالم الذي (يبرهن) مختبرياً قوانين الطبيعة. الفنان الكتيباني غادر نتائج الحالات المسرحية السابقة ، لينفتح على تحفيزات جمالية فلسفية جديدة ، مستقبلية ، على الرغم من صعوبات هذا الاختيار الصعب ، مقتدياً بالحكمة الصينية ؛ ( إذا استطعت العثور على طريق خالٍ من المعوقات ، فهو غالباً لا يؤدي إلى مكان !) . لقد آثر التجذيف في بحر صاخب متلاطم الأمواج ، مختاراً اتجاهاً ومنهجاً مسرحياً ، مستقلاً في منحاه المعرفي ، وفي أسلوبه الجمالي ، وتفكيره وصيرورته . فنحن ــ كما يقول سارتر ــ نركض وراء ذواتنا ، فهي تسبقنا دون أن نلحق بها مطلقاً ، لأن وجود الإنسان يبقى رهن تحوّل ، وتغيّر مستمر ، وبالتالي يدخل (العدم) في نسيج وجودنا نفسه . يحيلنا ــ المؤلف ـــ إلى مقولة (دولوز) في تفضيله ، للنقطة لأنها متقطعة على الخط لأنه متصل ، محكوم بالسببيّة ، في حين النقطة حرّة ، يجتمع فيها الوجود والعدم ،كما تحقق لدى الرسام (بول كلي) .. يقارب هذا الموضوع مستخدماً (انموذجه) ، مسرحية (خدم لك) تأليف وإخراج (ماهر الكتيباني) وأبطالها هم ؛ لا احد رقم (1) ورقم (2) ورقم (3) يقدمهم على شكل خطاب مسرحي (انطولوجي) موازياً لسلسلة (اللاتوقعات) ليقلب تراتبية الأشياء ، فيرتفع المتدني ، ويتنزل العلوي ، وكأنه يقتدي بتفكيكية (دريدا) في منظومة الاختلاف ، وثنائية الغياب والحضور .ليخلص إلى تكريس مفهوم (التجريد) بخطاب أحادي التشكيل ، متابعاً اطروحة (هيدجر) بأهمية السؤال المثير على الجواب الجاهز ، ويختتم (الارجانون) الجمالي ، بابتعاده عن (تطهير) أرسطو الانفعالي ، ومقترباً من (تغريب) برخت (العقلي) من غير تطابق كامل معه باحثاً عن معايير جديدة لما اسماه (اللاتوقع) المسرحي . تنفتح هذه التجربة المسرحية التنظيرية بامتياز ، على ما سينتظرها من تطبيقات تجريبية ، من شأنها البرهنة على ما راهن عليه (ماهر الكتيباني) من جعل تنظيراته رهن ممكنات التجربة القادمة تطبيقياً ، بفهم قبلي ، يتطلع إلى تكــــريس خططــه وتحفيزاتـــه ، إلى وضعها أمــــام الجمهـور ، بتأويلاتها الخاصة ، وثيمها المتشظية وانتقالاتها اللامتوقعة ، وحركتها المختزلة القصيرة . ختاماً ، أجد هذا الكتاب ، في نهجه ، وهدفه ونسيجه ، مغايراً ، لما إعتدناه من طروحاتٍ مسرحيةٍ متداولةٍ ، والإثنان ، المؤلف ( د. حسن النخيلة) والفنان المسرحي (د. ماهر الكتيباني) هما من جيل الشباب الأكاديمي ، الرصين والمتميّز في جديّة البحث المتوفر على الرصانة ، والموضوعية ، وإتضاح الشخصية العلمية ، التربوية ، في خصائصها ، وسماتها ، ومتابعتها للانساق الفكرية الفلسفية ، والإبداعية في فنون (ما بعد الحداثة) بطرائق متفردة ، منزاحة عن ثوابت السرديات الكبرى ، لتقارب تشظيات الأبنية الفكرية في ظل العولمة والمتغيرات الجذرية في عالم الفكر وتفجراته اللامتوقعة المتحدية للثوابت الزائفة. الكتاب جدير بالأقتناء ، لتوفره على اطروحة تثير الأسئلة عن المسكوت عنه في فن المسرح .