وصف الكتاب:
تلجأ الدول إلى المحاكم الدولية لغرض الحصول على حكم قضائي يفصل في نزاع مطروح يحسم وجهات نظر متضاربة. ويدخل هذا العمل ضمن صميم الأهداف الرئيسية التي أنشأت من أجلها المحاكم الدولية، التحكيمية والقضائية، وهي فض المنازعات الدولية بالطرق السلمية. ولكي تكون المحاكم الدولية على قدر هذه المسؤولية الملقاة على عاتقها، وحتى تكسب ثقة المستنجدين بها، فإنها تعمل على أن تكون أحكامها مؤسسة تأسيساً قانونياً، باعتبار هذه الأحكام تكون بين دول، خاصة إذا كانت تتصف بأنها نهائية غير قابلة للطعن. وتتوقف درجة التأسيس القانوني للأحكام والآراء على وجوب أن تكون أدلة الإثبات المقدمة لها صحيحة ويقينية تجنباً للتشكيك في مصداقيتها أو عدم تنفيذها فيما بعد. فأي نزاع قانوني لن يكون حله سليما إلا إذا كان هذا الحل مؤسساً على أدلة سليمة، وأي حكم لن تكون له مصداقية كافية أو طريقاً للتنفيذ إلا إذا كانت أدلة الإثبات التي بني عليها مدروسة دراسة كافية ومطبقة تطبيقاً سليماً. لكن رغم كل هذه الأهمية البالغة لأدلة الإثبات، إلا أنها لم تحظ بتلك الدرجة من الاهتمام لدى واضعي مختلف الأنظمة الأساسية واللوائح الداخلية لمختلف المحاكم الدولية، التحكيمية والقضائية. فإذا كانت هذه الأدلة وردت في مختلف القوانين الداخلية للدول في نصوص دقيقة ومحددة، تعددها وتنظمها وتشير إلى شروط تطبيقها، فإن ذلك كان غائباً في النصوص المنظمة لمختلف المحاكم الدولية، عكس الإجراءات المتبعة أمام هذه المحاكم، من طريقة رفع الدعوى وطريقة تقديم المذكرات والمذكرات المضادة وكيفية المرافعة أمامها واختصاصها الشخصي والموضوعي، ثم التشكيلة البشرية وطبيعة الحكم التي تصدره وكيفية تنفيذه والجزاء المترتب عن عدم تنفيذه. كما أن الكتابات الفقهية التي تناولت دراسة طرق تسوية المناعات الدولية اتبعت المنهج ذاته، حيث ركزت هذه الكتابات على المواضيع السابقة بالشرح والتفسير دون عناء الاهتمام بأدلة الإثبات التي بقت غامضة. فلا تكاد توجد دراسة تفصيلية جامعة لموضوع أدلة الإثبات في التحاكم الدولي (القضاء والتحكيم الدوليين)، وهذا ما يشجع على محاولة تسليط الضوء على بعض جوانب هذا الموضوع البكر بوجه عام في الباب الأول، ثم التركيز على أحد أهم أدلة الإثبات إثارة للنقاش في إحدى المنازعات الدولية، وهو دليل الخرائط الذي يعد العمود الفقري في المنازعات الحدودية والإقليمية في الباب الثاني من هذه الدراسة. فالمنازعات الحدودية والإقليمية تعد من أهم وأدق المنازعات الدولية. وتكمن أهمية هذه المنازعات في ارتباطها بالحيز المكاني الذي تمارس عليه الدول سلطاتها، ومن ثم فإنه ينظر إليها على أنها منازعات تمس سيادتها واستقلالها. كما تكمن حساسية وخطورة هذه المنازعات أنها تنشأ غالباً بين دول متجاورة، فهي كثيراً ما تؤدي إلى المواجهة العسكرية بين هذه الدول. ويثبت الواقع العديد من هذه المواجهات التي أدت فيها هذه المنازعات إلى نشوب مواجهات عسكرية، من بينها النزاع الصيني الهندي سنة 1962، والنزاع الهندي الباكستاني سنة 1965، والصيني السوفييتي سنة 1969، والصومالي الأثيوبي سنة 1977. ولعل أبرز وأخطر هذه المواجهات وأطولها مدة النزاع العراقي الإيراني حول شط العرب الذي استمر قرابة الثماني سنوات. لذلك فإن البحث عن وسيلة سلمية لتسوية مثل هذا النوع من المنازعات أصبح يشكل حتمية يجب على الدول اتباعها لتجاوز احتمالات الدخول في مثل هذه المواجهات العسكرية. وتعد التسوية التحاكمية إحدى أهم هذه الوسائل التي يمكن للدول اللجوء إليها قصد الوصول إلى حل قانوني لهذه المنازعات، بعيداً عن وسيلة أخرى قد تزيد من العلاقات الدولية سوءاً وتدهوراً. يستند أطراف النزاع الحدودي أو الإقليمي إلى العديد من أدلة الإثبات لتأسيس ادعاءاتهم وتدعيم طلباتهم بخصوص المناطق المتنازع عليها. ونظراً لأهمية دليل الإثبات ودوره في تكوين الاقتناع لدى القاضي أو المحكم الدولي المحال إليه النزاع بصحة ومشروعية هذه الادعاءات والطلبات، فإنه مجبر على اتباع منهج الإثبات من خلال التطرق إلى القواعد العامة في تحديد طرقه، وهي تحديد محل الإثبات بصفة عامة، وتحديد محل الإثبات في منازعات الحدود الدولية بوجه خاص، فيما إذا كان نزاعاً حدودياً أو إقليمياً، ثم التطرق إلى تقدير القيمة القانونية لأدلة الإثبات في منازعات الحدود الدولية بعد عرض القواعد العامة التي ينتهجها في تقديرها في أي نزاع دولي يطرح عليه. كما أنه في حالة ما لم تكن هذه الأدلة والأسانيد كافية، فإن الجهة القضائية التي يرفع إليها النزاع تكمل ما نقص منها تبعا لسلطتها القانونية المخولة لها. استعانت الدول في مثل هذا النوع من المنازعات بالخرائط لتأييد ادعاءاتها التي عرضتها على المحاكم الدولية، التحكيمية والقضائية. فالقراءة المتأنية لمرافعات الأطراف أمام هذه المحاكم وما أصدرته من أحكام توضح، للوهلة الأولى، أن جل هذه المنازعات، إن لم تكن كلها، تعتمد على هذا الدليل المكتـوب. لكن هذه الأحكام أظهرت وجود اختلافات بين مختلف المحاكم في إبراز القيمة القانونية لهذه الخرائط في حل النزاع. فهناك من المحاكم من اعتبرت الخرائط دليلاً من الدرجة الأولى، وهناك من اعتبرتها دليلاً من الدرجة الثانية في نزاع آخر، وهناك من أضفى عليها الوصفين في النزاع نفسه، وتم إهماله نهائياً في نزاعات أخرى. ووصل الاختلاف حتى بين القضاة أو المحكمين في القضية نفسها حول قيمة هذا الدليل، وهو ما يطرح الإشكالية الرئيسية وهي القيمة القانونية الحقيقية للخرائط كدليل إثبات في التسوية التحاكمية للمنازعات الحدودية والإقليمية، وموقف التحكيم والقضاء الدوليين منه بدراسة مختلف الأحكام وفق الترتيب الزمني لها.